ابن حزم

485

الاحكام

فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي قال أبو محمد : قال قوم : النسخ يقع حين نزول الوحي ، لان المنسوخ - على ما بينا - إنما هو أمر الله المتقدم لا أفعال المأمورين ، إلا أن الغائب لا يقع عليه الملامة ، ولا الوعيد إلا بعد بلوغ الامر الناسخ إليه ، وكذلك سائر الأوامر التي لم تنسخ هي لازمة لكل من قرب وبعد ، ولكل من لم يخلق بعد ، لكن الملامة والوعيد مرفوعان عمن لم يبلغه حتى يبلغه . فإذا بلغته فأطاع حمد وأجر وإن عصى ليم واستحق الوعيد وأجره على فعل منسخ - مما لم يبلغه نسخه - أجر واحد ، لأنه مجتهد مخطئ كما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . والذي نقول به : إن النسخ لا يلزم إلا إذا بلغ وبين ما قلنا قوله تعالى : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * فإما أوجب الحكم بعد البلوغ . فلو أن من بلغ المنسوخ - ممن بعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يبلغه الناسخ أقدم على ترك المنسوخ الذي بلغه دون علم الناسخ وعمل بالناسخ ، كان عليه إثم المستسهل لترك الفرض ، لا إثم تارك الفرض : إنه لا يجوز لمن علم نسخ الحكم أن ينفذ عليه حكم تارك الحكم لأن كل واحد منهما له حكم ما بلغه ومن بلغه تحريم الحكم على الجاهل ، لم يجز له أن يحكم عليه بحكم العالم . مثال ذلك : رجل لقي رجلا فقتله على نية الحرابة ، فإذا بذلك المقتول هو قاتل وا الذي قتله ، أو وجده مشركا محاربا ، فهذا ليس عليه إثم قاتل مؤمن عمدا ، ولا قود عليه ولا دية ، لأنه لم يقتل مؤمنا حرم الدم عليه ، وإنما عليه إثم مريد قتل المؤمن عمدا ولم ينفذ ما أراد ، وبين الإثمين بون كبير ، لان أحدهما هام ، والآخر فاعل ، وكإنسان لقي امرأة فظنها أجنبية فوطئها ، فإذا بها زوجته ، فهذا ليس عليه إثم الزنى ، ومن قذفه حد حد القذف ، لكن عليه إثم مريد الزنى . ولا حد عليه ، ولا يقع عليه اسم فاسق بذلك . وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هم بسيئة فليعملها لم تكتب عليه ، ولو أن رجلا ممن بلغه فرض استقبال بيت المقدس ولم يبلغه نسخ ذلك ، وصلى إلى الكعبة لكان مفسدا لصلاته